الحث على تلاوة القرآن والعمل به

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1]. أحمده سبحانه وأشكره، وهو أهل الحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله - تعالى - وراقبوه في السر والعلانية، واعلموا أن الله - جل وعلا - أمدّكم بالنعم الوافرة لتشكروه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لتتذكروا بها نعمه فتعبدوه، وإن من أعظم النعم بل أعظمها على الإطلاق نعمة الإسلام، التي لا يعدلها نعمة، ونعمة إنزال هذا القرآن الكريم على نبيه محمد r، قد جعله الله نورًا وتبصرة وتبيانًا لكل شيء؛ إنه الصراط المستقيم، والذكر الحكيم، يهدي به الله من يشاء من عباده، ويضل به من يشاء، وما يضل به إلا الفاسقين.

عباد الله: إن كثيرًا من الناس اليوم لم يعرفوا قدر هذه النعمة بل أعرضوا عن كتاب الله، أعرضوا عن أوامره ونواهيه، أعرضوا عن تعلمه وتعليمه، أعرضوا عن تلاوته وتدبره، أعرضوا عن العمل به، أعرضوا عن التحاكم إليه وتحكيـمه:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد: 24].

إن الإعراض عن كتاب الله دليل على ضعف الإيمان، دليل على نقصان العقل، دليل على فساد التصور، دليل على ضعف البصيرة، دليل على قساوة القلب، دليل على طول الأمل، استولت الشهوات، وفسدت التصورات، وطال الإعراض والتغافل عن فاطر الأرض والســــموات:{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3].

إن الله عاتب عباده المؤمنين، وحثّهم على خشيته، وحذرهم أن يتشبهوا بأهل الكتاب الذين أعرضوا عن كتابه، وعن العمل به، أو أن يصيروا مثلهم في قساوة القلوب، فقال I:{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } [الحديد: 16].

عباد الله: لقد تكاثرت الأحاديث الدالة على فضل القرآن، وفضل تلاوته وتعلمه وتعليمه، فقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله r: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران» .

وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله هذا الكتاب؛ فقام به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٍ أعطاه الله مالاً؛ فيتصدق به آناء الليل، وآناء النهار».

وروى الإمام أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: « الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: رب إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه؛ فيشفعان ».

وروى الحاكم والنسائي وابن ماجة عن أنس t قال: قال رسول الله r: «إن لله أهلين من الناس، قالوا من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته ». وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: « ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده » .

فهذه الأحاديث وغيرها تدل على فضل القرآن، وكثرة ثواب تعلمه وتعليمه، والعمل به. ولقد أخبر الصادق المصدوق r: أن خير الناس من تعلم القرآن وعلمه - كما قال r -: « خيركم من تعلم القرآن وعلمه ».

فاتقوا الله عباد الله، واتلوا كتاب ربكم، وتفهموا معانيه، واعملوا بأوامره، وانتهوا عن نواهيه، ولا تعرضوا عنه، ولا تصدّنكم عنه زينة الحياة الدنيا، ولهوها وشهواتها، فإن متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى.

عباد الله: إنه يخشى من العقوبة العاجلة والآجلة على من أعرض عن كتاب ربه، أعرض عن تلاوته وتدبره وتفهمه، والعمل به، يقول I: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}[طه:124-126].

وفقني الله وإياكم لمراضيه، ونفعني وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدْي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

أول الخطبة الثانية

الحمد لله الهادي إلى سبيل الرشاد، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى ودين الحق، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى واحذروا الغفلة عن تدبر كتاب ربكم والإعراض عنه، فإن الإعراض عنه سبب لقسوة القلوب، وهي من صفات المغضوب عليهم والضالين، قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - على قوله سبحانه:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }[الحديد:16]. يقول رحمه الله: نهى الله عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حُملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى لما تطاول عليهم الأمد بدّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنًا قليلا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد.

 

 

 

المرفقالحجم
Microsoft Office document icon 5الحث على تلاوة القرآن والعمل به.doc72.5 كيلوبايت
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1]. أحمده سبحانه وأشكره، وهو أهل الحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه." data-share-imageurl="">