الحرص على متابعة السنة

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1]. مَنَّ علينا ببعثة هذا النبي الكريم، وهدانا به إلى الصراط المستقيم، وأنقذنا به من الضلال المبين، والعذاب الأليم. أحمده سبحانه وأشكره على سوابغ إنعامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي قال الله فيه: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 128]. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

 أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله حق تقاته، واعملوا لطاعته ومرضاته، واعلموا أن كمال محبته r  واتباع هديه من عبادة الله، ومن الوسائل المقربة إليه، وإلى مرضاته. فقد بعث الله نبيه رحمة للعالمين، وهدى للمتقين، وحجة على الناس أجمعين.

 وكانت ولادته وهجرته ووفاته في هذا الشهر؛ في ربيع الأول. وقد قال r : « ألا أخبركم بأول أمري؟ أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي » دعوة إبراهيم إذ قال: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129].. وبشارة عيسى إذ يقول الله U  : {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } [الصف: 6]. ورؤيا أمي: حينما رأت أمه آمنة بنت وهب كأنه خرج منها نور عظيم أضاءت به قصور الشام، وذلك تنبيه على عظيم منة الله به، وعموم رسالته، وشمول نفعه للعالمين: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].

إنه النور الذي استضاءت منه المشارق والمغارب، ملأ الله به القلوب علما ويقينا وإيمانا، وشمل البسيطة عدلا ورحمة وحنانا، طهر الله به الأخلاق من جميع الرذائل، واستكملت به جميع الفضائل، استبدل به المؤمنون بعد الشرك إخلاصا لله، وتوحيدا، وبعد الانحراف عن الحق هداية واستقامة وتوفيقا، وبعد الفتن والافتراق ألفة واعتصاما بحبل الله، وبعد القطيعة والعقوق برا وصلة وتعاطفا، وبعد الظلم والجور وسوء المعاملات عدلا ووفاء بجميع الحقوق والواجبات.

إنه رحمة جعل الله به بعد الفساد صلاحا، وبعد الشقاء فلاحا، إن شريعته السمحة وتعاليمه القيمة هي الكفيلة بجمع الشمل، واستتباب الأمن، وحصول الطمأنينة، كذلك كانت لما كان المسلمون مطبقين لها، عاملين بها، مستضيئين بنورها، فلما استبدلوا بنور الوحي سواه، وانفصلوا أو كادوا ينفصلون من حبله المتين، وتقاطعوا وتدابروا، وتباغضوا وتنافروا، وذهبت منهم الغيرة الدينية، والأخوة الإيمانية، وتباينت الأغراض، وكثرت الأهواء، وأعجب كل ذي رأي برأيه، ورأي أن الحق فيما يراه ويهواه، واكتفوا من دينهم بالمظاهر عن الحقائق، جاءهم ما كانوا يوعدون، وتكالب عليهم الأعداء، وتشتت الأصدقاء، فلم يزالوا في بعد وافترق، وتنازع وشقاق، نتج عن هذا ضعف البصيرة في الدين، والإعراض عن سنة سيد المرسلين.

حكموا القوانين الوضعية، ونبذوا كتاب الله وراءهم ظهريا، ولجأ بعضهم إلى أصحاب القبور والمشاهد؛ يطلبون منهم المدد والعون، ونسوا من يقول للشيء كن فيكون، وأعرضوا عن قوله - تعالى-:{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13، 14].  

فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بسنة نبيكم تفلحوا، وإياكم والمحدثات في الدين، فإن كل محدثة بدعة، ونبيكم الكريم يقول: (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )).

وإن مما أحدثه الناس هذه الأعياد التي يسمونها أعياد المواليد فليس في الإسلام من عيد إلا الفطر والأضحى، وإن هذه الأعياد التي أحدثت في الدين بعد القرون المفضلة؛ إنها من الأمور المحدثة، دخلت على هذه الأمة عن طريق المتابعة لأهل الكتاب، والتأثر بهم، وتقليدهم؛ وقد قال r  : «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ».

إن أعياد المواليد التي قد عمل بها كثير من الناس؛ لأنفسهم، وأولادهم، وآبائهم لم تكن من عمل الأمة الإسلامية، وإنما هي من أعمال أهل الكتاب، ويعمل كثير من الناس أعيادا لميلاد المصطفى المعصوم r، الذي اختاره الله واصطفاه على العالمين وفضله على جميع الأنبياء والمرسلين، مشابهة لأهل الكتاب في إقامة عيد ميلاد للمسيح عليه السلام، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء، وإن الاحتفال بميلاده r  لا يزيده شرفًا، فإن شرفه وفضله ومنزلته في القمة بين البشر أجمعين؛ أولهم وآخرهم، وإن صفة الولادة صفة لجميع الناس وغيرهم.

ولو كان الاحتفال بإنزال الوحي عليه، وظهور النور؛ نور نزول الوحي المبين في هذه البلاد عليه r، أو كان الاحتفال بذكرى هجرته التي فرج الله بها عن المسلمين، فقامت بها دولتهم، وأذن لهم بالقتال، وصار لهم شوكة ومنعة بسببها، أو كان الاحتفال بغزوة بدر الكبرى، يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، يوم أذل الله أهل الشرك والعناد، ونصر أهل الحق والتوحيد والجهاد، أو كان الاحتفال بفتح مكة، التي دخل الناس بعده في دين الله أفواجا، وانقاد له جميع العرب، وتوافدوا عليه من كل حدب وصوب، وانقادوا له طوعا أو كرها، أو كان الاحتفال بحجة الوداع وإكمال هذا الدين، وإتمام النعمة عليهم، وإخبار الله – عز وجل - أنه رضي لهم دين الإسلام دينا، ولا يرضى دينا سواه.

لو كانت الاحتفالات بهذه الحوادث التي غيرت مجرى التاريخ؛ لكان ذلك أقرب إلى المعقول. ولكن خير الهدى هدي محمد r ، وشر الأمور محدثاتها، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، كيف وهو يقول عليه الصلاة والسلام: « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » ؟ .

وإذا كانت هذا الاحتفالات ناشئة عن محبته r  فلا شك أن محبة نبيه دين يدان لله به، ولا يصح إسلام المرء حتى يحب نبيه r، ولا يكمل إيمانه حتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، بل حتى يكون أحب إليه من نفسه، كما في قصة عمر - t  - مع أن سلف هذه الأمة أكمل وأتم محبة منا له عليه أفضل الصلاة والتسليم، ومع ذلك لم يفعلوا شيئا من هذه الاحتفالات، وليس عنوان المحبة بإقامة الحفلات، والتفنن بالمأكولات، وإنشاد الأناشيد ورفع الأصوات بالزغاريد، ولكن محبته باتباع أثره، والاهتداء بهديه، والاقتداء بسنته، وتفهم سيرته كل وقت وحين، وسلوك طريقته التي هو عليها وأصحابه، ومتابعته على ذلك: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

 فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بكتاب ربكم تهتدوا وسنة نبيكم تفلحوا.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 128].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

أول الخطبة الثانية

 الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيما لشأنه سبحانه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد r، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

عباد الله إلى متى ونحن في غفلة ساهون؟! وعن كتاب ربنا معرضون؟! وعن سنة نبينا لا هون؟! وعن تذكر الآخرة غافلون؟! {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ } [الأنبياء: 1]. أما يتذكر كل منا مصيره وارتحاله؟! وسؤال الملكين عند وضعه في لحده؟! ومناقشة الحساب يوم العرض على الله؟! { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18]. وانقسام الناس إلى قسمين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. اللهم أيقظنا من سنة الغفلة، ووفقنا للتزود ليوم النقلة، ومن علينا بالتوفيق.

 

 

 

المرفقالحجم
Microsoft Office document icon 11 - الحرص على متابعة السنة.doc76.5 كيلوبايت
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1]. مَنَّ علينا ببعثة هذا النبي الكريم، وهدانا به إلى الصراط المستقيم، وأنقذنا به من الضلال المبين، والعذاب الأليم. أحمده سبحانه وأشكره على سوابغ إنعامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي قال الله فيه: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 128]." data-share-imageurl="">