نور الأميني

 

فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله السبيّل رحمه الله

إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس شؤون الحرمين سابقًا

الكاتب : نور عالم خليل الأميني رئيس تحرير مجلة الداعي  .

« بعد معاناة مع المرض وعوارض ناشئة عن كبر السنّ ألزمته السرير الأبيضَ طَوَالَ الشهور الستة الماضية، انتقل إلى رحمة الله تعالى العالم الصالح الداعية الإسلامي السعودي، فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله السبيّل إمام وخطيب المسجد الحرام، ورئيس شؤون الحرمين الشريفين سابقًا، عن عمر يناهز 88 عامًا بالنسبة إلى السنوات الميلادية، و92 عامًا بالقياس إلى السنوات الهجرية، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

  وذلك عصر يوم الاثنين: 3/ صفر 1434هـ (بالنسبة إلى التقويم الهندي) الموافق 17/ديسمبر 2012م بمدينة الملك عبد العزيز الطبية للحرس الوطني بمدينة جدة. وقد نقلت سيارةُ إسعاف جثمانَ الفقيد صباحَ الثلاثاء: 4/صفر = 18/ديسمبر منها إلى مغسلة المهاجرين بمكة المكرمة؛ حيث تمّ غسل وتكفين الشيخ رحمه الله بحضور أبنائه وأقاربه وحشد كبير من طلابه وزملائه ومحبيه ومعارفه؛ فيما أُدِّيَت الصلاةُ عليه في المسجد الحرام عقب صلاة عصر يوم الثلاثاء 4/صفر 1434هـ.

  ووصل جثمانُ الفقيد الكبير مقبرةَ العدل بمكة المكرمة الساعة الرابعة والربع مساءً، في موكب مهيب حزين وجموع غفيرة، حيث حاصرتِ السيارةَ التي نقلت جثمانَه جموعٌ حاشدةٌ من المشيعين، وقد أُدِّيت عليه صلاةُ الميت للمرة الثانية داخلَ مقبرة العدل.

  وحسبما أفادت الأنباء من مكة المكرمة تقدم جموعَ المشيعين معالي الدكتور صالح بن حميد المستشار في الديوان الملكي، ومعالي الدكتور عبد الرحمن عبد العزيز السديس الرئيس العام لرئاسة شؤون الحرمين، وجمع كبير من أصحاب الفضيلة العلماء أئمة الحرم المكي والمدرسين في المسجد الحرام. وقد ساهمت عدة جهات حكومية في مباشرة مهمة تشييع جثمان الفقيد منذ وقت مبكر من يوم الثلاثاء المذكور؛ حيث نشرت إدارةُ المرور والشرطة رجالَ الأمن لتنظيم حركة المرور.

*  *  *

  هذا، وتبعد مقبرةُ العدل عن الحرم المكي بأقل من 4 كم على طريق الطائف – الشرائع، مجاورة لمقر إمارة مكة المكرمة من الجهة الشرقية، وتتكون من قسمين، الأول لأبناء الأسرة المالكة حيث مقابر عدد كبير من الأمراء الراحلين، والقسم الآخر يضمّ قبورَ كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، منهم سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبد الله خليفي، والشيخ عبد الله البسّام، والشيخ عبد الله خياط إمام الحرم المكي، والدكتور عمر محمد عبد الله السبيل، والعالم الأديب الكبير الشهير علي الطنطاوي السوري ثم السعودي المكي، وحشد كبير من كبار العلماء والصلحاء والدعاة.

  وتقع المقبرة على مساحة 60 ألف م 2 تقريبًا، وتتوسط المنطقة الواسعة بين حديقة العدل ومستشفى الملك فيصل وإمارة منطقة مكة المكرمة، وتقع بوابتها الرئيسة من الجهة الغربية على شارع يلتفّ حول مبنى الإمارة. وتشير مصادر تاريخية أن المقبرة سُمِّيَتْ بـ«العدل» نسبة لمنطقة الحي التي تحتضن المقبرة. وشهدت المقبرة في السنوات العشر الأخيرة حزمةَ مشاريع بإشراف أمانة العاصمة، منها مشاريع تسوير وبناء مظلاّت وصالة انتظار.

*  *  *

كان الشيخ محمد السبيل رحمه الله من كبار العلماء المتقنين لعلوم الشريعة إلى جانب ما كان يمتاز به من الصلاح وتقوى الله، والحلم والكرم، والتواضع والخلق الرفيع الذي حَبَّبَه إلى الناس جميعًا وجَعَلَه شامًّا بين ذوي العلم والفضل في ربوع الحرمين، وعُدَّ من أبرز أئمة الحرم المكي، واختير عضوًا في هيئة كبار العلماء، وعضوًا في المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ورئيس لجنة أعلام الحرم بالمملكة العربية السعودية.

  وكان رحمه الله كثير السفرات في سبيل الدعوة وحضور الحفلات والمناسبات الدينية والدعوية والمؤتمرات والندوات الإسلاميّة في شتى أقطار العالم، فقام بأكثر من مئة رحلة خارج المملكة، زار خلالَها أكثر من خمسين دولة في العالم. وكان رحمه الله يُؤَثِّر قولُه في القلوب؛ لأنه كان يصدر عن اللسان الذي كان صاحبُه يطابق قولُه فعلَه وفعلُه قوله، والقولُ لا يأتي مُؤَثِّرًا إلاّ عندما يكون صادرًا عن رصيد العمل. وكان خطيبًا مُفَوَّهًا يقدر على إقناع الحضور وإشباعهم؛ لأن خطاباته كانت تكون ممزوجةً بالسلاسة والعذوبة، ونورالإيمان، وإشراقة الصلاح، وبلاغة البيان، وروعة الطرح، ولباقة الأداء، وحسن التصنيف للموادّ والأفكار، التي كان يريد تقديمَها إلى مستمعيه. وكان يُعِينه على ذلك كلّه انتماؤه إلى الحرم، وكونه إمامًا وخطيبًا فيه إلى جانب امتلاكه للموضوعات التي كان يودّ أن يتحدث حولها، وتمكنُّه من علوم الكتابة والسنة، ومن أساليب الخطاب والبيان، وتضلعه من اللغة العربيّة وتشبّعه بالحسّ الأدبي والتذوّق اللغوي، وكان يتذوق النثر والشعر، ويقول الشعر، فقد خلّف ديوانًا يُطْبَع ويُتَدَاوَلُ.

  وكان كثير الاستشهاد بالآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة، إلى جانب الأمثال والحكم والأقوال العربيّة المأثورة عن علمائها وأئمتها والأبيات العربيّة المثيرة المُؤَثِّرة، التي كانت تضفي على خطاباته مسحةً من السحر والتأثير القوي.

*  *  *

  وقد سمعنا خطابًا له ألقاه في حفلة حاشدة، عقدتها الجامعة الإسلاميّة دارالعلوم/ ديوبند في رحابها ترحيبًا به واستقبالًا له، لدى زيارته لها يوم الإثنين: 16/ربيع الأوّل 1408هـ الموافق 9/نوفمبر 1987م في الفترة مابين الظهر والعصر. ولازال الخطاب كأنه يشنف آذاننا لدى كتابة هذه السطور.

  وكنا قد نشرنا الخطاب في العدد 7-8، السنة 11 من «الداعي» الصادر في 19/ربيع الثاني – 5/جمادى الأولى 1408هـ الموافق 10-25/ديسمبر 1987م، وكانت تصدر عندها نصف شهريّة. وقد نشرنا في العدد نفسه تقريرًا مفصلًا عن زيارته – رحمه الله – للجامعة قادمًا من دهلي العاصمة بالسيّارة التي سعد فيها بصحبته، عبر الطريق بين دهلي وديوبند كاتب هذه السطور نور عالم خليل الأميني رئيس تحرير مجلة «الداعي» الشهرية.

  والخطابُ يدلّ على مقدرته البيانية، وقوته الخطابية، وكيفيته الإيمانية في جانب، وعلى حبّه للجامعة وإعجابه بها، واعترافه بفضلها، وإشادته بإنجازها في جانب آخر، كما يُؤَكِّد ما كان يَتَمَتَّع به من النظرة المتزة إلى جميع المذاهب الفقهيّة والمدارس الفكريّة للمسلمين، ويُؤَكِّد ما كان يتصف به من روح العدل والإنصاف، والتجرّد من العصبيّة العمياء المُنْتِنَة التي ربّما يصدر عنها كثيرٌ من العلماء والمُثَقَّفِين لدى الحكم على مذهبٍ من المذاهب أو مدرسة من مدارس الفكر الإسلاميّة.

  وقد أعلن – رحمه الله – في خطابه صارخًا «أنّ دارالعلوم ديوبند كالشمس في رابعة النهار، وأنه علم شامخ بين المدارس والجامعات الإسلامية في العالم؛ وأن علماءها أعلام شامخة بين العلماء». وقال: «لقد شُرِحَ صدرى وازددتُ سرورًا على سروري ومعرفة على معرفتي بهذه الجامعة. ومن لايعرفها؟ وهل عالم لا يعرف هذه الجامعة الإسلامية في ديوبند، كلُّ النّاس يعرفونها، فهي ل اتخفى على أحد، لا تخفى على أحد مكانتُها المرموقة، والمُتَخَرِّجُون من العلماء منها علماءُ مشهورون، خدموا العلم، خدموا تفسير كتاب الله، خدموا حديث رسول الله، خدموا الفقه الإسلامي، خدموا اللغة العربية، خدموا الأدب العربي، خدموا كلَّ العلوم الإسلاميّة. هذا شيء لا يُنْكَر، وشيء يعرفه كل أحد:

وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ                إِذَا احْتَــاجَ النَّهَـارُ إِلَىٰ دَلِيـلٍ»

وقال: «شاهدتُ في العالم ما شاهدت من المدارس كلُّها ناشئة عن هذه الجامعة، أو هي من فروعها، التي أنشأها رجالٌ تَخَرَّجُوا منها، رجالٌ تعلّموا ههنا، وذهبوا يحملون مشاعلَ النور إلى تلك البلاد، فهذه دارالعلوم في بنغلا ديش، عددتُها دورًا كثيرةً، وهي ناتجة من ههنا، وفي باكستان دورُ العلم التي هي نابعة من ههنا، وفي ماليزيا وفي إندونيسيا وفي بريطانيا بلاد الكفر هناك جامعات ديوبندية حضرناها، وحضرنا مناسبات ختم صحيح البخاري فيها».

  (جريدة الداعي، العدد 7-8، السنة 11، ص 5-7، 19/ربيع الثاني – 5/جمادى الأولى 1408هـ الموافق 10-25/ديسمبر 1987م).

  وبقي رحمه الله يُشِيد بمكانة الجامعة، ويُعَرِّف بها على ما هي عليه، ويذكرها بين العلماء وطُلاَّب العلم والدين في بلاد الحرمين، ويدافع عنها، وينتقد من ينتقدها، ويتجاهل خدماتِها ومكانَتَها، ويُنْكِر ما قامت به في سبيل تصحيح العقيدة، ومكافحة البدع والخرافات، ونشر علوم الكتاب والسنة، وتخريج علماء أكفاء كانوا واسطةً مباشرةً للإبقاء على الإسلام والمسلمين في هذه الديار الواسعة، وحالوا دون تكرار قصّة الأندلس على أرض الهند، التي استعمرها الإنجليزُ، وانتزعوها من الملوك المسلمين.

  وأذكر أني زرتُ الفقيدَ – رحمه الله – أكثر من مرة بعد زيارته المذكورة للجامعة عام 1408هـ/1987م خلال سفراتي إلى المملكة وسعادتي بالعمرة. وذات مرة زرتُه في مكتبة لرئاسة شؤون الحرمين الذي كان يقع آنذاك مُتَّصِلًا بالمروة، فدعاني – رحمه الله – لتناول الغداء عنده في منزله في حي «العزيزية» وقد صحبتُه في سيّارته ...

*  *  *

  وقد أمضيتُ مع الشيخ – رحمه الله – لدى زيارته للجامعة في صباح يوم الاثنين 16/ربيع الأول 1408هـ الموافق 9/نوفمبر 1987م في الطريق بين دهلي وديوبند، وتعمّقتُ في سيرته وخلقه وطبيعته من خلال الحديث، ومن خلال الرضا والكره اللذين أبداهما في هذه الفترة الطويلة الممتدة على أكثر من أربع ساعات، قضيناها معه في سيّارته الناقلة له من دهلي إلى ديوبند، وعَرَّجنا به خلال الرحلة هذه على مطعم لمسلم ثري رجل أعمال، رائع جميل المبنى، لذيذ الأكلات، لبقٍ مُوَظَّفُوه في التعامل والأداء، وتلقّي الضيوف وإكرامهم، على نهر جار، مُتَفَرِّع من نهر «كنج» الشهير، بمدينة «كهاتولي» بمديرية «مظفرنجر».

  والإنسانُ يُعْرَف أكثر ما يُعْرَف في الرحلات والأسفار، التي تُبْدِي ما فيه من خير وشرّ وعادات، وهل الأخلاق فيه طبيعةٌ أو تَطَبُّعٌ، وهل الحلم والكرم فيه مركوزان معجونان مع طينته، أو هما صادران عن التكلّف الذي تَعَامَلَ به؛ ليُرِيَ رَفَاقَه في السفر منه ما ليس فيه أصلًا.

  فوجدتُ الشيخ – رحمه الله – إنسانًا بأسمى معاني الإنسانيّة. وأسَجِّل ذلك بعد وفاته؛ ليبقى دليلًا ساطعًا على إنسانيته وعظمته؛ وليعلم القارئ في كل مكان أني لا أقول ذلك مجاملةً، أو رجاءً في نفع منه؛ لأنه قد مات، ولم يبق بيديه شيء من النفع والضرّ، ولا أعرف أي واحد من ذوي قرباه حتى أوصل إليه هذه السطورَ ليَطَّلِع عليها ويُسَرَّ بها، ويتسبّب في تحقيق منفعةٍ لي أو دفع مضرّة عنّي. وقد عَلِمَ الله – الذي يعلم السرَّ وأخفى – أني لا أكتب اليومَ ما أكتب إلاّ حبًّا للفقيد رَسَخَ في قلبي.

  وكان صالحًا بكل معاني الكلمة، فكانت صحبتُه مُؤَثِّرة، وكانت أقوالُه نافعةً، وكانت خطاباتُه تنفع العامةَ والخاصةَ، وتُصْلِح الفاسدَ، وتُقَوِّي الصالحَ من الأخلاق والسلوك. ومن ثم أَحَبَّه جميعُ أساتذة وطلاّب الجامعة، وانجذبوا إليه عَفَوِيًّا، وحَنُّوا إليه من أعماق قلوبهم، وبَقِيَ حبُّهم له طَوَالَ حَياته، ما ذُكِرَ في مجلس إلاّ تحدّثوا عن محاسنه وفضائله، وذكروه بالخير والإعجاب والدعاء الصالح.

  كان يأنس به كلُّ غريب، ويشعر كأنه يتعامل مع قريب له، تربطه به القرابة القريبة، والآصرة المُتَشَابِكَة، كما كان يأنس هو به، كأنه على معرفة به قديمة.

*  *  *

  وكان يحترم معارفه وضيوفه لآخر الحدود، ذات مرة سَلَّمْتُ عليه بعد انتهائه من إمامة إحدى الصلوات في المساحة بين الكعبة الشريفة والمئذنة التي فيها كان يؤم الصلوات لدى كل نوبة كانت تصيبه، وكانت الصلاة صلاة العشاء – كما أذكر – فأخذ بيميني، وجاء بي معه إلى الغرفة الكائنة عل مدخل بوابة الملك عبد العزيز في المسجد الحرام على يمين الداخل إلى المسجد من البوابة، وكانت مُخَصَّصَةً لأئمة الحرم؛ حيث كانوا يَسْتَجِمُّون فيها في الفرصة التي كانوا يجدونها فيما بين الصلوات، وقُدِّمَتْ لي القهوةُ من قبل الموظفين المُوَكَّلِين بخدمة الضيوف والزُّوَّار للأئمة الكرام، وبعد ما انتهيتُ من القهوة أمسك شرطيٌّ بمنكبي الأيمن بقوة ظنًّا منه أني أجنبي طفيلي، اقتحمتُ الغرفةَ دونما سماح من المسؤولين، أو ظنًّا منه أني أطلتُ الجلوسَ أكثر من اللازم، فزجره الشيخ بشدة ولامه على فعلته، وعَرَّفَه والحضورَ من الأئمة والزوّار قائلًا: هذا ضيفي الموقر: الأخ الفاضل الشيخ نور عالم خليل الأميني، أحد أفاضل العلماء الهنود، وأشار إليّ أن امكثوا ما شئتم، وأمر المأمورين بالخدمة بتقديم فنجان آخر من القهوة.

*  *  *

  في عمره المبكر، في 45 عامًا من عمره تُوَفِّيَ نجله العالم الفاضل الشيخ الدكتور عمر السبيّل – رحمه الله – إمام وخطيب المسجد الحرام، بمدينة الطائف عصر يوم الجمعة غرة محرم 1423هـ (بالتقويم السعودي) و30/ذوالحجة 1422هـ بالتقويم الهندي الموافق 15/مارس 2002م، وصُلِّي عليه بعد عصر يوم السبت 2/محرم 1423هـ بالمسجد الحرام ودفن بمقبرة العدل بمكة المكرمة. وكان الشيخ عمر – رحمه الله – تَعَرَّضَ لحادث مروري عنيف يوم السبت 18/ذوالحجة 1422هـ الموافق 1/مارس 2002م على طريق الطائف – الرياض ومعه  عائلته وأطفاله، قادمًا من الرياض إلى مكة المكرمة، وأمضى الفترة بين التعرض للحادث وبين الوفاة في غيبوبة كاملة تحت العناية المركزة في كل من مستشفى الأمير سلطان بالحوية ومستشفى الهدا.

  وكان لوفاة الابن الفاضل في العمر المبكر أثر الحزن العميق في قلب الشيخ محمد بن عبد الله السبيّل، الذي حطّمه من الداخل، وظلّ يعيش حزينًا كئيبًا رغم إيمانه القوي بحكمة الله ومشيئته وتمسّكه بالصبر الجميل. وقد كتبتُ إلى فضيلته خطابَ تسلية إثر الحادث المروري الذي تعرض له الشيخ عمر، وخطاب تعزية إثر وفاته – رحمه الله – . فردّ على خطابي إليه بما دلّ على سعة قلبه وسماحة نفسه.

  وكتبتُ ترجمةً موجزةً لحياة الشيخ عمر إثر وفاته نشرتُها في ص 51-54 في العدد 3-4 من السنة 26 من مجلة «الداعي» الصادر في ربيع الأول – ربيع الثاني 1423هـ = مايو – يوليو 2002م.

*  *  *

  ومثلُ الشيخ محمد بن عبد الله السبيل لايموت مهما مات بجسمه، فإنه سيظل حيًّا في قلوبنا وقلوب ملايين الملايين من المسلمين الذين صَلَّوْا خلفه، وأعجبوا بتلاوته العذبة ... التي كانت تشحذ الإيمان وتشنف الآذان، وتُلِذُّ الأسماع – أواستمعوا إلى كلماته المؤمنة، أو تكَيَّفُوا مع خلقه الرفيع، وسيرته الحسنة، أو التَقَوْه في مكان من أمكنة العالم فتَكَهْرَبُوا من حرارته الإيمانية، وغيرته الإسلاميّة، وحماسته الدعوية، واقتبسوا منه جذوةَ الإيمان، وجَدَّدوا معه العهدَ للعودة إلى الحرم، وماء زمزم، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، وذكر الله عند المشعر الحرام، والمشي على بطحاء مكة، والتجول في سكك المدينة، والصلاة في المسجد النبوي، والسلام على الرسول العربي وحبيب الله محمد ﷺ، وزيارة مسجد قباء وهذه الأمكنة الحبيبة المقدسة في المدينة التي اختلف إليها جبرئيل، وعاش فيها أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وجميع الصحابة أحلى أيامهم مع نبيهم المصطفى ﷺ الذي حَرَّكَ منها الجنودَ إلى بدر وأحد وحنين وتبوك وإلى تلك المعارك الحاسمة الفاصلة بين الجاهليّة والإسلام، التي وضعت للأبد الخطَّ الفاصلَ بين الحقّ والباطل. رحمه الله رحمةً واسعةً، وشمله بلطفه، وتغمده بواسع غفرانه ورضوانه، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وجميعَ من أحبّه في الله ودعا له، الصبرَ والسلوانَ. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بمقدار، ولكل أجل عنده كتاب، وكلُّ ما هو كائن فكأن قد.

المصدر : مجلة الداعي الصادرة من جامعة دار العلوم ديوبند، ربيع الأول 1434.

اختيار الموضوع في: 
 

فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله السبيّل رحمه الله

إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس شؤون الحرمين سابقًا

الكاتب : نور عالم خليل الأميني رئيس تحرير مجلة الداعي  ." data-share-imageurl="">